محمد أبو زهرة

1224

زهرة التفاسير

يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ مريم ] . وقد ذكر سبحانه حالا ثانية من أحواله ، أو وصفا من أوصافه ، وهو أنه من الصالحين ، وهذا رمز إلى ما يأتي به من إصلاح خلقي واجتماعي ، وروحي فكرى ؛ إذ يزيل النزعة المادية من قلوب المؤمنين ؛ فإن الصالح حقا هو الذي يصلح ، فليس بصالح صلاحا كاملا من لم يرشد غيره إلى طريق الصلاح . هذه بشارة اللّه بطريق ملائكته لمريم البتول ، وقد بين اللّه تعالى أن هذه البشارة أثارت عجبها واستغرابها : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ : هذه الجملة السامية تدل على بالغ عجبها ، وتومئ إلى ارتياعها الذي عبرت عنه كما في سورة مريم : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) [ مريم ] . صدرت إجابتها بالنداء للرب ، وفيه معنى الاعتراف بالخلق والتكوين ، وكمال الربوبية للّه سبحانه وتعالى ، فهو تسليم بالقدرة الإلهية ، وبأن خالق كل شئ لا يكبر عليه شئ ، سبحانه وتعالى . و أَنَّى في قوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ هي بمعنى كيف ، أي كيف يكون منى ولد ولم يمسسني بشر أي لم يكن منى ما يكون بين الرجل والمرأة مما يكون منه ولد . فالاستغراب في الكيفية ، لا في أصل القدرة الإلهية . وكلمة وَلَمْ يَمْسَسْنِي إما أن نعتبرها كناية عن اختلاط الرجل بالمرأة ، وهذا ظاهر ، وتعبير القرآن عن اتصال الرجل بالمسيس مجاز مشهور معروف ، حتى يكاد يكون حقيقة عرفية في لغة القرآن الكريم ؛ أو نقول : المس المراد به حقيقته ، وهو أنها لم يلمسها رجل ؛ لأنها متبتلة دائما منصرفة للعبادة لم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط ؛ وبذلك ينتفى بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس ، فموضع العجب والسؤال هو أن يكون ولد من غير اتصال رجل بامرأة . ولقد أزال عجبها رب البرية بقوله تعالى :